كلمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إلى "مؤتمر اللغة العربية في إفريقيا

ثلاثاء, 09/10/2019 - 09:50

كلمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، والرئيس الأعلى لمجمع اللغة العربية بالشارقة، والتي وجهها إلى المشاركين في "مؤتمر اللغة العربية في إفريقيا"، وقد قرأها نيابة عنه معالي الدكتور عيسى الحمادي، رئيس المركز التربوي للغة العربية بالشارقة:

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أَصْحَابَ الْمَعَالِي، الْإِخْوَةَ السَّادَةَ الْعُلَمَاءَ، حُرَّاسَ لُغَةِ الضَّادِ، الْحُضُورَ الْكَرِيمَ،

السَّلَامُ عَلَيْكُمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَتَتَحَقَّقُ الْغَايَاتُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَشْرَفِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَبَعْدُ...

يَسُرُّنِي وَيُسْعِدُنِي أَنْ أَرْفَعَ إِلَى فَخَامَةِ رَئِيسِ جُمْهُورِيَّةِ مُورِيتَانْيَا الْإِسْلَامِيَّةِ، وَإِلَى كَافَّةِ الشَّعْبِ الْمُورِيتَانِيِّ الشَّقِيقِ أَخْلَصَ التَّحِيَّاتِ، وَأَصْدَقَ التَّبْرِيكَاتِ، بِـمُنَاسَبَةِ الْعَامِ الْهِجْرِيِّ الْجَدِيدِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِئَةٍ وَوَاحِدٍ وَأَرْبَعِينَ.

وَأَتَوَجَّهُ بِالشُّكْرِ إِلَى مَعَالِي رَئِيسِ الْوُزَرَاءِ، وَالْإِخْوَةِ الْوُزَرَاءِ، وَإِلَى فَضِيلَةِ الْأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ الْخَلِيلِ النَّحْوِيِّ رَئِيسِ مَجْلِسِ اللِّسَانِ، وَإِلَى سَائِرِ الْعُلَمَاءِ الضُّيُوفِ الْأَكَارِمِ بِالتَّحِيَّاتِ الْخَالِصَاتِ، دَاعِيًا اللهَ الْكَرِيمَ أَنْ يُوَفِّقَكُمْ فِي مُؤْتَمَرِكُمْ هَذَا إِلَى أَحْسَنِ النَّتَائِجِ، وَأَنْفَعِ الـْمُخْرَجَاتِ.

وَبَعْدُ ... فَإِنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ أَرْقَى اللُّغَاتِ وَأَسْمَاهَا، وَأَجَلُّهَا وَأَعْلَاهَا، وَأَخْصَبُهَا. يَشْهَدُ التَّارِيخُ أَنَّهَا مِنْ أَطْوَلِ اللُّغَاتِ عُمْرًا، وَأَزْخَرِهَا مَحْفُوظًا، وَأَوْسَعِهَا تُراثًا. وَحَقِيقٌ بِنَا جَمِيعًا أَنْ نُعْنَى بِهَا، وَأَنْ نَجْتَمِعَ مِنْ أَجْلِهَا، وَأَنْ نَنْظُرَ فِي قَضَايَاهَا، وَأَنْ نَتَدَارَسَ شُؤُونَهَا، وَأَنْ نُسَهِّلَ عَلَى النَّشْءِ الْجَدِيدِ التَّحَدُّثَ بِهَا بِفَصَاحَةٍ وَإِبَانَةٍ وَتَبْيِينٍ، وَنُيَسِّرَ سُبُلَ تَعْلِيمِهَا لِأَبْنَائِنَا وَلِغَيْرِ النَّاطِقِينَ بِهَا فِي شَتَّى دُوَلِ الْعَالَمِ مَا اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.

لَيْسَ الْمَقَامُ مَقَامَ إِشَادَةٍ بِالْعَرَبِيَّةِ وَمَآثِرِهَا، وَالْفَخْرِ بِعُلُوِّ كَعْبِهَا، وَسُموِّ شَأْنِهَا، وَإِنَّـمَا الْمَقَامُ يَتَطَلَّبُ مِنَّا وَمِنْ كُلِّ غَيُورٍ عَلَيْهَا أَنْ نَنْظُرَ فِي قَضَايَاهَا الْمُعَاصِرَةِ، وَأَنْ نَتَدَارَسَ فِيمَا بَيْنَنَا شُؤُونَهَا وَأَحْوَالَهَا. وَإِنَّ الْآمَالَ لَمَعْقُودَةٌ عَلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَحُمَاتُهَا وَحُرَّاسُهَا؛ أَنْ تَتَدَارَسُوا شُؤُونَهَا، وَأَنْ تَضَعُوا أَمَامَ الْأَجْيَالِ بَرَامِجَ وَمَشَارِيعَ عَمَلِيَّةً تُيَسِّرُ سُبُلَ اسْتِعْمَالِهَا وَتَوْظِيفِهَا وَالتَّحَدُّثِ بِهَا.

اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فِي إِفْرِيقْيَا سَكَنَتْ وَتَوَطَّدَتْ أُصُولُهَا مَعَ الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْأُولَى مُنْذُ دُخُولِ الْفَاتِحِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بِلَادَ الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ رُقْعَتُهَا وَاتَّسَعَتْ، وَتَرَسَّخَتْ جُذُورُهَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الدُّوَلِ الْإِفْرِيقِيَّةِ فِي الْقَرْنَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ جَرَّاءَ الِاسْتِعْمَارِ الْغَرْبِيِّ الْمُتَنَوِّعِ الَّذِي حَاوَلَ جَاهِدًا تَقْوِيضَ أَرْكَانِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْغَضَّ مِنْ شَأْنِهَا، وَصَرْفَ الشُّعُوبِ عَنْهَا، لَكِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ الْفَرِيدَةَ الْعَصْمَاءَ ظَلَّتْ وَاقِفَةً شَامِخَةً تُنَاطِحُ السَّمَاءَ، وَاسْتَمَرَّتْ حَيَّةً كَرِيمَةً، وَاسْتَعْصَتْ عَلَى الزَّوَالِ وَالِاضْمِحْلَالِ؛ ذَلِكَ لِأَنَّ وَسَائِلَ حِفْظِهَا كَامِنَةٌ فِيهَا؛ ففِيهَا كُلُّ مُقَوِّمَاتِ الْبَقَاءِ وَالْحَيَاةِ وَالتَّطَوُّرِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَمَا عَلَى أَبْنَائِهَا وَالـمُهْتَمِّينَ بِهَا إِلَّا أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي تَطْوِيرِ أَسَالِيبِ تَعْلِيمِهَا، وَتَحْفِيزِ الْأَجْيَالِ لِدِرَاسَتِهَا، وَإِحْسَانِ التَّوَاصُلِ بِهَا.

وَهَا أَنْتُمُ أُولَاءِ أَقْبَلْتُمْ مِنْ أَغْلَبِ دُوَلِ إِفْرِيقْيَا فِي مُؤْتَمَرِكُمْ هَذَا، تَتَحَدَّثُونَ عَنْ هَذِهِ اللُّغَةِ، وَتَتَدَارَسُونَ شُؤُونَهَا، وَتُعْنَوْنَ بِقَضَايَاهَا؛ فَهَنِيئًا لَكُمْ هَذَا التَّوَجُّهُ الْكَرِيمُ، وَنَحْنُ نَشُدُّ عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَنَدْعَمُ جُهُودَكُمْ أَدَبِيًّا وَمَعْنَوِيًّا وَمَادِّيًّا، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.

وَنُبَشِّرُكُمْ، أَيُّهَا الْجَمْعُ الْكَرِيمُ، بِأَنَّنَا فِي الشَّارِقَةِ أَنْشَأْنَا مَجْمَعَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي يُعْنَى بِقَضَايَا اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيُسَانِدُ الْمَجَامِعَ اللُّغَوِيَّةَ الْعَرَبِيَّةَ الْعَامِرَةَ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَا زَالَتْ عِنَايَتُنَا بِالْمُعْجَمِ التَّارِيخِيِّ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِحْوَرَ مَشَارِيعِنَا تَحْتَ إِشْرَافِ اتِّحَادِ الْمَجَامِعِ اللُّغَوِيَّةِ، وَأَقَمْنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْمِنَّةُ لَهُ- بُيُوتًا لِلشِّعْرِ فِي عَدَدٍ مِنَ الْعَوَاصِمِ وَالْمُدُنِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَجْتَهِدُ دَائِمًا وَلَا نَأْلُوا جَهْدًا لِخِدْمَةِ هَذِهِ اللُّغَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهَا حَامِلَةً لِكِتَابِهِ الْعَزِيزِ.

هَذَا مَنْهَجُنَا، وَهَذَا دَأَبُنَا [دَأْبُنَا] وَأُسْلُوبُنَا فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْعَيْشِ الْكَرِيمِ فِي الْعَالَمِ الْمُتَنَوِّعِ الْمُخْتَلِفِ الْأَعْرَاقِ وَالْأَجْنَاسِ إِلَّا بِالْحِوَارِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّفَاهُمِ مَعَ الْآخَرِينَ عَبْرَ قَنَوَاتِ الْفِكْرِ وَاللُّغَةِ وَالثَّقَافَةِ وَالْعِلْمِ.

هَذَا خَطٌّ ارْتَأَيْنَاهُ مُنْذُ وَلِينَا حُكْمَ الشَّارِقَةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا نَحِيدُ عَنْهُ وَلَا نَتَزَحْزَحُ عَنْهُ، وَلَا نُحْسِنُ غَيْرَهُ.

أَيُّهَا الْجَمْعُ الْكَرِيمُ، إِنَّ الْأَعْمَالَ الْجَلِيلَةَ يُقِيِّضُ اللهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ- لَهَا ذَوِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَالنُّفُوسِ الْعَظِيمَةِ، وَنَسْأَلُهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَنْ يُكَلِّلَ مُؤْتَمَرَكُمْ هَذَا بِالنَّجَاحِ، وَأَنْ يُوَفِّقَكُمْ إِلَى خِدْمَةِ قَضَايَا اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْكُبْرَى، وَوَضْعِ حُلُولٍ نَاجِعَةٍ وَمُفِيدَةٍ لِلْأَجْيَالِ الصَّاعِدَةِ.

بَارَكَ اللهُ فِي جُهُودِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، وَسَدَّدَ خُطَاكُمْ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

                

 

                                                                                       د. سُلْطَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِيُّ

                                                                           حَاكِمُ الشَّارِقَةِ، وَالرَّئِيسُ الْأَعْلَى لِمَجْمَعِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالشَّارِقَةِ.